» مقالات » كلمة وطني
مقالات

كلمة وطني

2 يوليو، 2010 2060

 

«السر لفهم مدينة ما وشعبها هو تعلم كلمة الشارع؟ إن لكل مدينة كلمة واحدة تعرِّفها، وتعِّرف معظم الناس الذين يعيشون فيها. وإن تمكنتِ من قراءة أفكار الناس وهم يمرون بقربك في الشارع في أي مكان من الأمكنة، فستكتشفين بأن معظمهم تشغلهم الفكرة نفسها، مهما كانت فكرة هؤلاء الأغلبية، تلك هي كلمة المدينة».

توقفت كثيراً وأنا أقرأ هذه العبارة تسردها الروائية الأميركية إليزابيث جليبرت في كتابها الرائع «طعام.. صلاة.. حب.. امرأة تبحث عن كل شيء». الكتاب يمثل تجربة الكاتبة في رحلة بحثها عن ذاتها خلال عام كامل قضته بالتساوي بين إيطاليا والهند وإندونيسيا «ربما تسنّى لي التوقف عند الكتاب ذات مقال قادم» العبارة قالها صديق إيطالي في معرض رده على علاقة إليزابيث بالعاصمة روما. تعتقد إليزابيث بأنها أحبت روما كثيراً، لكنها لا تشعر بالانتماء إليها. كان الصديق يرى أنه إذا لم تكن «كلمة» المدينة تتلاءم مع الكلمة الشخصية لأحد ما، فإنه لا يمكن أن يشعر بالانتماء إلى هذه المدينة. يواصل توضيح فكرته لإليزابيث، أن كلمة روما هي «جنس»، فالناس في روما يحركهم الجنس ويشغل همهم وتفكيرهم أكثر من أي شيء آخر، ثم يسألها عن كلمة مدينتها التي أتت منها «نيويورك»، وبعد تفكير تقول إليزابيث: أعتقد أنها كلمة إنجاز.

كلمة الشارع ليست وصفاً. فهي لا تصف المدينة بقدر ما تعبّر عما يتحرك بالناس فيها وما يوجه سلوكهم وحركتهم. المدينة التي كلمتها «جنس» سيكون الجنس محوراً لتفكير الناس وانشغالهم وهدفهم، وسيظهر ذلك على سلوكهم ولباسهم وممارساتهم وطبيعة حياتهم وأحاديثهم وحتى أسواقهم وبضائعهم وطبيعة قضاء أوقاتهم وأماكن لهوهم ومرحهم. والمدينة التي كلمتها إنجاز، سيكون الإنجاز هو القلق الذي يتحرك بأناسها، وسيظهر ذلك على حماسهم الشخصي وإحساسهم بقيمة الوقت والعمل، وسنلمس ذلك من طبيعة الموضوعات التي عادة ما تستفز جدل الشارع واهتمامه.
ما كلمة مدينتي إذاً؟ وما كلمة وطني؟

أحداث الشارع ويومياته، وأحاديث الناس في الصحافة والإعلام والنشرات المطبوعة والمواقع الإلكترونية والمنتديات والملتقيات والمجموعات الحوارية والمدونات الشخصية وفي الفيس بوك وفي المجالس والندوات والتجمعات والمساجد والمآتم وأحاديث الشارع، كل هذه تضعنا مباشرة أمام ما يشغل الناس وتفكيرهم، أمام كلمة الشارع، أمام كلمة المدينة.

سياسة؟ هل السياسة هي كلمة وطني؟ السياسة هي الظاهرة الصوتية الأعلى والأبرز في وطني. حين تنطق السياسة فالكل متحفز وهائج وعلى أهبة الاصطفاف. أمام السياسة تبدو الأصوات الأخرى هامشية وغير ذات جدوى ولا قيمة لها، تصير مترفة ومرفهة ومنصرفة عن همّ الوطن والمواطن. وأنت تكون وطنياً بقدر ما ينخرط صوتك في أحاديث السياسة ولو على نحو تحصيل التحصيل من الحاصل. الناس في وطني تمضغ السياسة أكثر مما تمضغ خبزها الحافي. الأطفال والصبية المراهقون كما الكبار مأخوذون بصوتها الجهوري الأجش وكلهم فيها صوت. هي إذاً كلمة وطني. لكن ألا تبدو كأنها عامة وفضفاضة؟ فالهمّ السياسي يشغل أكثر دول العالم. تختلف المدن وتتشابه كلماتها. لكن ما الخاص في كلمة وطني؟ ما المختلف الذي يشغل شارعنا بشكل أخص؟ هل هو مستوى الدخل؟ مستوى المعيشة؟ الحاجات المعيشية؟ العدالة الاجتماعية؟ توزيع الثروة؟ الأغنياء والفقراء؟ التجنيس؟ التمييز؟ السكن؟ المعارضة؟ الموالاة؟ البرلمان الدستوري؟ الحقوق المواطنية؟ لست أعرف. كلها كلمات ليست كالكلمات. أراها حاضرة بقوة في شوارع وطني وفي دواعيسه وفي زرانيقه غير المرصوفة وغير الأنيقة. لكن لا أعرف أياً منها هي كلمة وطني؟ ربما هي أخرى، فكلمة بحجم وطن لا يمكن أن تأتي بهذه السهولة ولا يمكن أن نضعها في قالب منحاز أو ضيق بهذه البساطة.

هل تعتقدون أن كلمة وطني هي «تديّن»؟ فالتديّن من أقوى الأصوات التي يتمثلها حسّ الشارع وتتحرّك به. لكن التدين في شوارعنا غلبت عليه السياسة، حتى أُحيل إلى مورد لتعزيز وجود جماعة أو فئة على حساب وجود جماعة أخرى أو فئة أخرى. كذلك صار الدين مورداً لتعزيز موقف فئة اجتماعية معينة في صراعها ضد البؤس أو الفقر أو البطالة أو التهميش كما يشير برهان غليون. فالدين السياسة: هكذا تقول شوارعنا. هل عدنا لكلمة السياسة مرة أخرى؟ مازلت لا أعرف.

ما هو مؤكد بالنسبة إليّ، أن كلمة وطني ليست «ترفيه»، ليست «رفاهية»، ليست «متعة»، ليست «مرح»، فشارعنا غارق في همومه ويومياته واحتياجاته المعيشية بقدر يجعله يسخر من أن يتمنى على نفسه متعة أو ترفيه. أما الرفاهية فبينها وبين شوارعنا بون. من المؤكد أيضاً أن كلمة وطني ليست «ثقافة»، ليست «فن»، ليست «فكر»، فيكفي أنه قد سبق لبعض شوارعنا أن أطلقت على الثقافة اسم «سخافة». ومن المؤكد أيضاً وأيضاً أن كلمة وطني ليست «تعايش»، ليست «تعدد»، ليست «تنوع»، ليست «تسامح»، فالاختلافات السياسية والفكرية والعقائدية، كما يبرع الإعلام «عبر أدواته المختلفة الرسمية وغير الرسمية» في تصويرها وإظهارها، هي على الهياج المناقض تماماً لذلك. ومن المؤكد كذلك أن كلمة وطني ليست «إنجاز»، ليست «ابتكار»، ليست «إنتاج»، ليست «اكتشاف»، ليست «اختراع»، فالاستهلاك «غير المنتج» في وطني فائض عن اللزوم في كل شيء وفي كل شبر. ما هي إذاً كلمة وطني؟ مازلت لا أعرف. ربما أنتم تعرفون.

لمشاهدة المقال وقراءة التعليقات  http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12263

قيم المنشور!

باسمة القصاب

باسمة القصاب

نصف جناح ونصف جسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×
    تسجيل الدخول / العضوية