» مقالات » كل شيء أعوج..
مقالات

كل شيء أعوج..

1 يوليو، 2016 00:12 3060

(1)

تشكل (الاستقامة)، الاستعارة المركزية التي تستخدمها الأديان لتحديد طريقها المستقيم إلى الله. ويتفرع عن هذه الاستعارة مجموعة من الاستعارات الفرعية، منها الطريق المستقيم، السراط المستقيم، الطريق الحق، الضلالات، التيه، الانحراف، الميل والهوى والزوغان والضياع والاعوجاج.

الاستقامة مفهوم استعاري، أي أنها ليست تعبيراً حقيقياً كما هو الأمر حين نقول أن الشارع الذي تقطعه سيارتنا مستقيم، فهذا تعبير حقيقي. نستعيره مجازياً للتعبير عن ما هو فكري أو معنوي. نستخدمه للتعبير عن أفكار الإنسان أو ديانته أو أخلاقه أو خطه السياسي. لكننا عادة حين ننتقل من التعبيرات الحقيقية إلى التعبيرات الاستعارية، ننسى هذه الانتقالة، ونظن أننا مازلنا في التعبيرات الحقيقية. أغلب اختلافاتنا تحدث بسبب هذا النسيان. ذلك أننا دائماً ما نبني على مثل هذه المفاهيم _بعد أن ننسى أصلها الاستعاري_ أفهاماً وأحكاماً وعلاقات وتصورات ورؤى، نعتبرها حقيقية وجازمة، تتعلق بوجودنا ونظرتنا إلى أنفسنا والعالم والآخر. وهو ما يدعونا إلى إعادة التفكير في الاستقامة باعتبارها مفهوماً استعارياً، لا حقيقياً.

التعبيرات الدينية ترتكز على الصورة المجازية للمستقيم في تحديد المنهاج (الطريق) الذي يصل الانسان بالسماء. لكل تكوين ديني أو عقائدي فهمه الخاص الذي يصوغ من خلاله تصوره لهذا المنهاج. جميع التكوينات الدينية على اختلافاتها، تؤمن أن فهمها (نموذجها) يمثل السراط المستقيم إلى السماء. تقبلك جماعتك بقدر ما تكون مستقيماً على سراط فهمها. أن تكون مستقيماً يعني أن تتحرك وفق نموذجها المرسوم لك والمحدد لك سلفاً. وخارج هذا السراط، لا ينتظرك غير الاعوجاج. نقول “انحرف عن الخط المستقيم”. نقول “جاد عن الطريق المستقيم”. نقول “مال عن السراط المستقيم”. نقول “ضل” و”تاه” و”زاغ”.. الخ. إذن الاستقامة هي المركز الذي نطلق من خلاله أحكامنا على مسار الانسان الفكري والعقائدي، وهو حكم بحاجة إلى إعادة نظر وإعادة تذكير بالمنسي.

(2)

من هنا جاءت فكرة “السراطات المستقيمة” للمفكر الايراني عبد الكريم سروش، محاولة للخروج من المأزق الناشئ عن الفهم الديني لـ(السراط المستقيم). ذلك الفهم الذي يقيس أفكار الناس ومعتقداتهم وأديانهم على مقاس شعرته، ويحاكمها على أساس هذا الحد، ويصف كل ما لا يستقيم على خطه، بأنه زيغ وضلال وانحراف واعوجاج. عن طريق التدليل على تعدد الأفهام الانسانية والتجارب الدينية، حاول سروش تعليل تعدد المستقيمات الواصلة إلى السماء، مستدلاً بأن من غرس بذور التعددية في العالم هو الله، وأن كل نبي قد عزز من هذه التعددية بوصفه نبياً مخصوصاً بقومه.

شروس حاول الخروج من مأزق السراط الواحد، لكن بقت معضلة استعارة (الاستقامة) قائمة، وغير قابلة لأي اعوجاج، ذلك الذي لا يرى فيه غير انحراف عن السماء.

(3)

يقدم لنا ابن عربي عبارة شديدة الكثافة والدلالة حين يقول “اعوجاج القوس عين استقامته. فإن رمت أن تقيمه على الاستقامة الخطية المعلومة كسرته، فلم تبلغ أنت بالاستقامة التي تطلبها منه، غرضك الذي تؤمله، وهذا لجهلك بالاستقامة اللائقة به “.

كيف يرى ابن عربي اعوجاج القوس نفسه استقامة؟ ما الذي يجعله لا يرى في هذا الاعوجاج انحرافاً؟ كيف يستقيم القوس المنحني؟

صوفية ابن عربي تمكنه من أن يرى ببصيرته باطن الأشياء وباطن طرقها. بمعنى أنه يمكنه أن يتجاوز ظاهر الانحناءات، ويرى باطن غايتها، فيرى الاستقامة من خلال هذا الباطن. انحناءة القوس هي ما تمكنه من أداء مهمته باستقامة. أما محاولة جعل القوس مستقيماً، فإنها لن تؤدي إلا إلى كسره. والإنسان قادر على أن ينحني ليؤدي غايته بطريقة لا تؤديها استقامته على الطرق العامة. الإنسان قادر على أن يشعب من الطريق الواحد المستقيم طرقاً متعددة منحنية، تصله إلى غايته بعدد انحناءاته.

يأخذ ابن عربي من المرأة نموذجاً، فهي وإن كانت قد خلقت من ضلع آدم الأعوج (كما يقول لنا الطريق المستقيم)، إلا أن في باطن هذا الاعوجاج استقامة. فاعوجاج هذا الضلع، يحيل إلى معاني الانحناء والحنو. هو أعوج في الرجل، لكنه مستقيم في المرأة. هي قادرة على أن تجعل من انحناء ضلعها حنواً. من غير هذا الحنو لا يمكن أن تستقيم العلاقة الانسانية بين الرجل والمرأة. من هنا يمكن أن نقول إن اعوجاج طينة حواء عين استقامتها.

ابن عربي يعطي للانحناءة معنى الاستقامة. بمعنى أن لكل كائن من الكائنات استقامته الخاصة. أي تلك التي يشكلها وفق انحناءته اللائقة به. من هنا تأتي مقولته ” ما في العالم إلا مستقيم”، ليست المرأة إذن، اعوجاجاً عن الرجل، وليس الصوفي انحرافاً عن الفقيه، وليس المسلم ضالاً عن المسيح. ففي كل انحناءة من انحناءات المختلفين مع ما يبدو مستقيماً، استقامة أخرى. الجميع مستقيم بزاويته التي تأخذه إلى طريق غايته وغرضه المأمول منه. والاعوجاج هو ما يُعطي الكثرة والتنوع اللائقين بالعالم. والطرق إلى الله متشعبة بعدد اعوجاجات البشر وانحناءاتهم. هم يشكلون بهذه الاعواجاجات سراطات (مستقيمة). فاعوجاج الكائنات هو عين استقامة العالم.

(4)

انحن كما شئت، فكل الطرق مستقيمة بانحناءاتها، عليك فقط، أن لا تقيس الآخرين على نحو استقامتك فتكسرهم. دع الطرق تنحني وفق غايتها، فمقاصدها مقاييسٌ تحنو على طرقها، وتحنو على إنسانها، وتحنو على عالمها، فالدين هو الحنو.

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=12089

قيم المنشور!

باسمة القصاب

باسمة القصاب

نصف جناح ونصف جسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×
    تسجيل الدخول / العضوية