» مقالات » خرق الوهم
مقالات

خرق الوهم

7 يوليو، 2009 4039

في القرن التاسع عشر، في قرية صغيرة نائية ومعزولة، تفصلها عن المدينة غابة وعرة كثيفة؛ تعيش جماعة بشرية متكاتفة ومتحابة اجتماعياً، لكن يتهددها الخوف والرعب. مخلوقات وحشية غريبة تسكن الغابة، تثيرها أية محاولة لاختراق القرية نحو الغابة أو المدينة. هذا التجاوز من شأنه أن يجر الوبال على القرية الصغيرة وعلى أهلها المسالمين.
ثمة اتفاق قلق، لكن غير مكتوب، بين أهل القرية وبين هذه المخلوقات: سيكون أهل القرية في سلام ما لم يتجاوز أحدهم حد القرية، وما لم يُعبث بأي شيء لونه أحمر، مثل ثمار التوت الواقعة أشجاره في أطراف القرية عند طريق الغابة. هكذا كان يعيش أهل القرية اعتقادهم بمخلوقات يخافون حتى تسميتها، يعرَّفونها فيها بينهم بـ «أولئك الذين لا نسمّيهم». الاسم مسٌّ برتبة تعريف، وحين يرتبط المسّ بالخوف، فإننا لا نسمّي، بل نكنّي.


ولأن الاعتقاد (أي اعتقاد) ترسِّخه المشاهدة وتُثبِّته، فإن بضع مشاهدات غريبة، لم يستطع أهل القرية تفسيرها، تتضمن بعضها جثثاً لحيوانات ممزقة ومقطعة، رسَّخت ذلك المعتقد، وصيّرته حقيقة لا يداخلها الشك. فحين تعتقد بشيء ما، فإن كل ما يحدث حولك سيحيلك إليه مباشرة، وكل مفارقة لن يداخلك تفسيرها أو تأويلها، إلا بما يؤكد معتقدك أكثر. فالحوادث غالباً ما تفسّرها المعتقدات لا الحقائق.
الفيلم الأميركي الرائع «القرية» (The Village)، للمخرج الهندي الأصل شايمان (إنتاج 2005)، يدخلنا مباشرة على هذا. يرينا كيف يعيش الإنسان برمجة الاعتقاد. كيف يحكم هذا الاعتقاد عقله وحاسته ورؤيته وسلوكه. وكيف يصير أسير خطوطه الحُمر التي يجب عليه ألا يتجاوزها أبداً.
يسكِّن أهل القرية مخاوف بعضهم بعضاً «نحن لم نخرق حدود الغابة، التي يقطن بها الذين لا نسميهم، نحن في هدنة، لذا لا داعي للخوف». لكن ثمة ما يستجد ليستدعي الرعب، سيخترق جيلٌ شاب الاتفاق الحرج بين أهل القرية و«أولئك الذين لا نسمّيهم». الشباب أقل انصياعاً لبرمجيات الثقافة، وأكثر اختراقاً لقوانينها. كلما تقدم العمر بمعتقدك في داخلك، من دون أن مشاغبة أو خرق، صار أكثر رسوخاً وأكثر تثبتاً، وصار عصيانه أو الخروج عليه أو حتى مساءلته، أمراً تستحيله من داخلك قبل أن يستحيله خارجك. كلما تقدم العمر بالإنسان، قلّت جرأته على اختراق برمجيات الجماعة فيه. المعتقد يربو مع الزمن ويتصلّد بالقدم، يكبر معك بقدر ما تكبر. ولهذا يعد الخرق فعلاً شبابياً بامتياز، والترسيخ فعلاً أبوياً بامتياز. أن تخرق معتقدك، يعني أن ترفض له أن يكون معتقلك. المعتقد عقد بين الإنسان والعالم. ومعتقدنا، ما لم يكن فتحاً لقريتنا الضيقة على مدينة العالم، فهو ليس سوى عقد موحش كئيب وخانق، وسوف لن نميّز

من وجه العالم، غير «أولئك الذين لا نسميهم».

سيأتي الاختراق الأول إذاً، على يد الفتى الأخرق «نوح». سيجمع من دون علم أحد حبّات من التوت الأحمر، يخفيها في يده، ثم يجلبها معه وسط القرية. فيكون الخَرَق (الجنون) هو أول الاختراق. العقل يحكم الأشياء أن تخرج عن الحدود التي «نسميها»، أما الجنون فهو جرأة لا تعترف بالحدود التي نضعها لأنفسنا، ولا بأسمائها.
سيقوم بالخرق الثاني «لوتشيوس»، الفتى الشجاع والنبيل. فالقرية ينقصها الدواء الذي لا يمكن الحصول عليه إلا بالخروج إلى المدينة. سيقتحم «لوتشيوس» الغابات ليختبر ردود فعل «أولئك الذين لا نسميهم»، لكن القرية ستقف بذعرها ضد محاولته تلك «لقد أرعبتنا لدرجة لم يقم بها أحد من قبلك لوتشيوس»، يقول له أحد أعيان القرية الكبار. تفشل كثير من محاولات الاختراق قبل أن تنجح واحدة، لكن تبقى كل محاولة كوّة ضوء، تمهّد لخرق أكبر يليها.

هذا الأكبر، ستقوم به الفتاة العمياء «إيفي». فقدت بصرها طفلة لأن أحداً لم يجرؤ أن يجلب لها الدواء. تقرر الآن المغامرة حتى الموت لإنقاذ حياة من تُحب (لوتشيوس) الذي صار في يد المرض. فالحب كافٍ ليحوّل رعبها من «الذين لا نسميهم» إلى مواجهة معهم. ستخرج من دون أن يتمكن من إيقافها أحد. وستمر عبر درب غابات وعر مليء بالأشواك والأحراش والمطبات والحفر الطينية والمخاطر والأجواء المرعبة، وسنعيش معها الرعب في مشاهد استثنائية طويلة ومهلكة، لكنها أخيراً ستصل طرف المدينة، وهناك، ستلتقي سريعاً أناساً طيبين يساعدونها، وستكتشف أن المدينة ليست شراً مطلقاً كما نُقل لها طوال حياتها، وستعود بالدواء، وسيزاح الستار عن السر الكبير الذي يُغرق القرية. وستكون المفارقة أن القرية (التي تعيش ظلام خوفها)، ستُبْصِر على يد إيفي العمياء (التي تعيش بصيرة حُبّها).
سنكتشف مع نهاية الفيلم أن «أولئك الذين لا نسمّيهم» مجرد وهم كبير، وأن أعيان القرية الكبار هم صانعو هذا الوهم الكبير. الأعيان (بعضهم بالمناسبة آباء لأولئك الفتية)، هم مجموعة من الأكاديميين المثقفين، قرروا اعتزال العالم الذي يرونه عاجاً بالبشاعة والشر والقتل والدموية واللاعدالة، اختاروا القدوم لهذه القرية الصغيرة النائية. ولكي يحافظوا على براءة الداخل من تلوث الخارج، ابتكروا حكايتهم التي عاشها يقين أهل القرية، والتي صارت دفناً لحياتهم داخل الوهم.

 


قيم المنشور!

نتیجة 5.00
باسمة القصاب

باسمة القصاب

نصف جناح ونصف جسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×
    تسجيل الدخول / العضوية