» مقالات » نَفَس هيباتيا الأخير
مقالات

نَفَس هيباتيا الأخير

3 يوليو، 2009 3038

لم أملك دموعي وأنا أشاهد المقطع الأخير من فيلم «أجورا» (المعروض حالياً على شاشات السينما)، رغم تخفيف مخرج الفيلم للقتل المتوحش الذي أنهى حياة الفيلسوفة والفلكية وعالمة الرياضيات هيباتيا (370 – 415م). في هذا المقطع الأخير، يتم جر هيباتيا وضربها وركلها وتعريتها بالكامل، ونعتها بالكافرة والفاجرة والساحرة من قبل متطرفين دينيين مسيحيين هائجين، وفيما يستعد هؤلاء لإحضار حجارة الرجم، يدخل عبدها الذي أعتقته، يخنق نَفَسها بيده، لينجيها الشعور بما سيقع عليها بعد لحظات. أقول إن المخرج خفف بشاعة القتل؛ لأن الروايات التاريخية تقول إن هيباتيا تعرضت إلى الرجم والسحل والحرق وهي حيّة، لم تلفظ بعد أنفاسها الأخيرة. لم يكفِ هذا التخفيف ليمنع دمعة ساخنة أن تخرج، وأن تطلق سؤالاً ساخناً، أظنه يائساً هو الآخر، تماماً كما كانت نظرة هيباشيا في لحظتها الأخيرة: هل الإنسان متوحش بطبعه أم أن التوحش دخيل عليه؟ بمعنى هل ولعه بالقتل وسفك الدماء سابق لتعصباته الدينية والعرقية والسياسية والفكرية، أم أن هذه التعصبات هي ما يتوحش به؟! وهل الشعار الذي كان يرفعه المسيحيون يومها «باسم الرب سوف نطهر أرض الرب» هو حجتهم حينها للتوحش، أم هي ذريعتهم؟!
* * * * *
هنا، في هدوء العالِم، كانت هيباتيا تُفلسفُ العالَم، تحاول فهم العلاقة بين الشمس والكواكب الدائرة حولها، الوصول إلى قانون ينظم هذه العلاقة بما يستوعب جميع الكواكب في السماء. وهناك، في صخب الواقع، كان المتصارعون الدينيون يشعلون الإسكندرية حرقاً في علاقة اهتياجية ومضطرمة. كان أفق هيباتيا يحركه العالم الذي يحتضن أنفاس كل الناس، وكان أفق رجالات الإسكندرية يحركه العالم الذي لا يستوعب إلا النفس الواحد. لهذا كانت هيباتيا تكتم أنفاسها عن الدخول في انحيازات الأرض الصاخبة، وتطلقها نحو حياد السماء الهادئ والرزين.
أن تكون هادئاً في وسط صاخب، لا يعني أن تكون غير مكترثٍ بما يدور حولك، بل أنْ ترفض الانجراف خلف سلطة الصخب. هل قلت إن الصخب سلطة؟ تقود السلطة وعيك وإرادتك، أو تقودك من دون وعيك ومن دون إرادتك أحياناً أخرى. الصخب سلطة لأنه قادر أن يسلبك هدوء نفسك، أن يمنع صوت عقلك من الوصول إلى أذنيك، أن يقودك إلى أن تكون جزءاً منه، يفقدك عقلك واتزانك ووعيك، يجعلك غيرك. أحدٌ لا تعرفه: متوحش قاسٍ مهتاج. سريعاً ما ستدرك بعد أن ينتهي منك الهياج، أنك ما كنت لتكون ذاك الآخر، لولا أن الأمور سارت على النحو الهياجي الذي قادتك إليه. هكذا سينجرف والد هيباتيا الرياضي الفيثاغوري السكندري (ثيون)، غير ذات مرة، إلى ما سيندم عليه لاحقاً، مما لم يكن ليأتيه، لولا سلطة الصخب، ذلك الانجراف الذي تختلط فيه الأصوات، وتتداخل المشاعر، وتهتاج الانحيازات والتحاملات والعصبيات. حين يعلو صوت الصخب، ستجد نفسك رهينة مشاعرك البدائية المتمثلة في الغضب والهياج والحماسة، وستنجر حتماً لجماعتك التي تنتمي إليها بالفطرة (لا بالاختيار ولا بالعقل).
* * * * *
لم تعد ساحة «أجورا» ميداناً عاماً مفتوحاً على جدل المتخالفين، بل صارت ميداناً مفتوحاً على تناحر أصحاب العقائد من المسيحيين والوثنيين واليهود. لهذا كانت هيباتيا تجاهد أن تأمن بنفسها وتلاميذها عن الوقوع في هاوية التعصبات العقائدية، تلك التي لم ينجُ منها أحد. وفي درسها الذي يجمع المتناقضين والمتخالفين عقائدياً، لم تسمح بالاحتكام إلا إلى الاحترام الذي يجب أن يبقى أصلاً بين الأشقاء، كان درسها يرفض الصخب بقدر ما يحتفي بالاختلاف. الاختلاف يجعلك متساوياً مع الآخرين، لكن الصخب يعميك.
تسميهم الأشقاء؛ تلاميذها الذين يتحلقون في دائرة درسها[1]. تعلمهم أن الثابت بينهم هو تلك العلاقة الرياضية التي تتساوى بالجميع «إذا كان الأول يساوي الثاني، والثاني يساوي الثالث، فالنتيجة أن الأول يساوي الثالث». الجميع متساوٍ إذاً في دائرة درس هيباتيا، بمن فيهم هيباتيا نفسها. كانت هيباتيا تحلّق بطلابها خارج دائرة خلافاتهم العقائدية، تثير شهوتهم إلى الدوران (متساوين) حول الشمس بما يشبه الكواكب. في هذه القاعة فقط، سيبدو كل شيء مثالياً وهادئاً. ستصرّ هيباتيا على دافوس أن يعرض على تلاميذها مجسم طاليس الذي صنعه بيده من خلال فهمه لدروسها. لم يكن دافوس تلميذاً، بل عبدها الذي ينصت لدروسها عاشقاً ومتلهفاً.
خارج هذه القاعة، حيث ساحة «أجوراً» العامة، تأخذ الأمور منحى آخر. إنه المنحى النقيض تماماً. لا أحد يقبل أن يتساوى مع أحد. الجميع يريد أن يكون الأول الذي لا يساويه أحد. أنت تطلب المساواة مادمت ضعيفاً، لكنك ما إن تملك القوة، حتى تمسح الآخرين مسحاً لتساوي نفسك فقط.
* * * * *

ذنب هيباتيا أنها أتت في عصر بدأ فيه العقل الفلسفي يضمحل لصالح العقل الإيماني. ستصير الفلسفة كفراً وتهديداً للدين، وتصير هرطقة، بل مصدر للهرطقات كافة كما يقول طرابيشي في كتابه «مصائر الفلسفة في المسيحية والإسلام»، فـ «وراء كل هرطوقي فيلسوف».
في هذا العصر (منتصف القرن الرابع الميلادي)، كفّت المسيحية أن تكون ديانة مضطهدة لتغدو ديانة دولة[2]. ولكي نكون منصفين (كما حاول الفيلم أن يفعل)، فإن مثقفي العالم الوثني أيضاً لم يكونوا قد قابلوا المسيحية بغير الازدراء، بوصفها ديانة بربرية موجهة إلى أناس بلا ثقافة. وهو ما كانت هيباتيا تقاومه وترفضه وسط ثقافتها الوثنية، وهو ما جرّ عليها غضب بعض الكبراء لولا تدخل تلاميذها لحمايتها.
حين صارت المسيحية دين دولة، تحوّل أتباعها من أقلية مضطهدة إلى أكثرية سلطة. ولأن الاضطهاد حين يتحول إلى قوة، يمارس الآليات نفسها التي مورست ضده عندما كان ضعفاً، فقد راح المسيحيون يكررون آليات الاضطهاد نفسها على أهل الاعتقادات الدينية السابقة من وثنيين ويهود. يمارسون ما يسمونه تطهير الأرض من الوثنيين واليهود. من هنا جاء حرق مكتبة الإسكندرية وبما فيها من بحوث علمية ووثائق وخرائط. حُرقت كلها بدعوى انتمائها للتراث الوثني. صارت الفلسفة تعادل كلمة الكفر، كما أصبح نعت أحدهم بأنه يوناني يعادل وسمه بأنه وثني. وهكذا وصمت هيباتيا أنها وثنية كافرة عاهرة وساحرة.
وسط هذا العنف الديني، كانت هيباتيا تحاول أن تحافظ على هدوء دائرة درسها، لكن الصخب سرعان ما يجرف معه كل شيء. نجح الصخب أن يقتلع تلاميذها عن دائرتها، وأن يلقي بهم في هاوية أجورا. تتفرق بهم المصالح والاعتقادات والتطرفات. في الصخب أنت مائة ما لم تكن جزء منه. سيخنق الصخب نَفَس هيباتيا الأخير ليخنق معه عصر الحضارة الهيلينية ولتبدأ عصور الظلام. حتى لحظتها الأخيرة، ستحتفظ هيباتيا بهدوئها وإصرارها أن تكون ذاتها فقط. لن تذعن لاعتراف كاذب تجرّها نحوه سلطة الصخب. ولن تقدِّم اعتراف خائف ينجيها من الموت: «أنا فيلسوفة، أؤمن بالفلسفة» ستقول معرّفة بإيمانها. ستسلّم هيباتيا نَفَسها إلى قتل تحمل شرفه ويحمل التاريخ عاره. وسترمق حياد السماء، قبل أن يغيب نفسها الأخير، بنظرة أخيرة، تسألها عن قُبحٍ يؤتى على الأرض باسمها.
[1] انظر علي أحمد الديري: دائرة هيباتيا. الوقت 27 يناير/ كانون الثاني.
[2] جورج طرابيشي: مصائر الفلسفة في المسيحية والإسلام.

قيم المنشور!

باسمة القصاب

باسمة القصاب

نصف جناح ونصف جسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×
    تسجيل الدخول / العضوية