» أقلام صديقة » من ذاق عرف: حكاية القلب والعين…قراءة في كتاب “كالتي هربت بعينيها” لباسمة القصاب
أقلام صديقة

من ذاق عرف: حكاية القلب والعين…قراءة في كتاب “كالتي هربت بعينيها” لباسمة القصاب

12 ديسمبر، 2008 10103

السيد أحمد الساري

ماذا يحتاج الإنسان لكي يعرف وكي يفهم وكي يصنع وجودا وحضوراً في وجود؟ ماذا يمتلك الإنسان من أدوات قد تتطلبها هذه المعرفة؟ وكيف يعي أنه يمتلك هذا كله وأن حقيقة وجوده مرتبطة كل الارتباط بهذه الأدوات لا بغيرها؟ “”. ثمة أداة في أنفسنا نستطيع أن نتعلم بها دون نص ودون علم “مسبق”، أدوات أولى نرى من خلالها العالم ونخبره بها، وعن طريقها ندرك وجودنا ونطلب حقيقته.

من ذاق

“التذوق تجربة اختيارية” [1] هكذا فهمت باسمة القصاب “جماعة الأمر” التي تذوقتها لأول مرة وهي ابنة ثمانية عشر ربيعاً بعد مقدمات عاشتها في مجتمع أقل ما يوصف أنه متذبذب ومتقلب في اتجاهاته الدينية حتى عد أحدهم ميل أفراده إلى اليسار (فترة من الزمن)  وإدخال رموز اليسار في قصائد العزاء الحسيني بأنه لم يكون سوى تدين شيوعي! حالت شخصيتها التي استطاعت بحدة أن تخفي هذه القلق والاضطراب والحيرة دون أن تنخرط في أي من الاتجاهين المتنافسين على الساحة الدينية وقتها، إذا ما عد الجهر بالانتماء – دون الاشتراك في أي نشاط – بأنه انخراط.

قد يستغرق الإنسان زمنا طويلاً لكي يعرف أن يشغل أدواته الأولى بإطلاق في نفسه ووجدانه، ولكنه من المحال أن لا يكون قد قام بتشغيلها فعلاً، يتوازى هذا التشغيل مع الإنسان ليصيغ منه “سيرة” تتشكل فتبدو أو تختفي، تتبلور أو تتبعثر، تبدأ أو تنتهي، ولكنها سيرة، إنها سيرة للإنسان وأداته، وليست سيرة الإنسان وحده، وما يظهر من هذه السيرة هو التجربة، والتجربة هي الوقائع، لذلك هي مستحيلة النفي. ربما تكون القصاب قد فهمت من ذلك بأن كل تجربتها سيرة ذات تتشكل.[2]

إذا لم يشغّل الإنسان هذه الأداة بإطلاق فإنه يحتاج إلى أن يشغّلها بالتجربة، وحتى يشغّلها بالتجربة، عليه أن يستخدم أدوات أخرى يظن أنها ستوصله إلى العلم وإلى المعرفة وإلى الحقيقة، على أنها أدوات وهمية، والتذوق هي الأداة الأدهى ضمن جملة هذه الأدوات (إذا لم تكن كلها تذوق).

التجربة والخطأ: وهمية التذوق

أفهم ضرورة التذوق – على وهميته – بما هو أداة للتجربة لا بما هو تجربة، فالتجارب (باعتبارها وقائع) لا تتغير ولكن أدواتها يمكن أن تتغير فيتغير بها ما يترتب عليها من نتائج، ومع تبدل الظروف المحيطة بالتجربة، تتبدل الأدوات وتتبدل نسبة الخطأ لتتبدل الدقة في النتائج وتظل التجربة (بهدفها وبعناصرها ومحاورها) هي الثابتة، ومستحيلة النفي، “الحقيقة خطأ مصحح” [3] تصل بنا القصاب إلى النتيجة ذاتها رغم أن المقدمة قد اختلفت[4]!

Advertisement

تكمن خطورة التذوق بأنه وهمي، يشرب الإنسان الدواء فيستطعم مرارته مع أنه ضرورة، ولكنه يستطعم غير الدواء على أنه قد لا يكون له إلا داءً عضالاً، إذا كانت هناك ثمة مقاربة فإنها ستكون في الماء الذي لا بد أنه لا يحمل طعماً وضرورته أكبر من ضرورة الدواء، ولكن الإنسان يلهث إليه أكثر من الأطعمة التي يتذوقها! إنه إذن يذوق سراباً في ماء وهنا تتجلى وهمية التذوق.

“Try and Error“، نظرية التجربة والخطأ في التعلم تقدّس الخطأ وتجعل منه الطريق الأمثل للوصول إلى الهدف أو الصواب، والاعتقاد بأن الخطأ هو الذي أوصل إلى الهدف هو وهم، الخطأ ضرورة التجربة ومثار تصحيحها وليس الطريق إلى هدفها، وهذا الوهم هو ذلك الطعم الذي يمكن أن يذاق في كل تجربة، وبهذا الوهم يعتقد الإنسان أنه وصل إلى هدفه في حين أن ذلك هو ما أثر سلباً في قوامة طريقه إلى الهدف ولكنه ما سيجعله لاحقاً يصحح ويقوم ويطور هذه الطريق ليجعلها سالكة أكثر إلى هدف معلوم.

الجزء المجهول

الخطر كل الخطر، أن يكتشف المجرب، بأن تجربته كلها “تذوق”، فليس لهذا من معنى سوى أن هدفه كان غير معلوم، وعلى ذلك فإن كل مثال لاحق للتجربة هو تجربة مختلفة أخرى بلا شك، لأن كل عناصرها ومحاورها ستتغير بتغير الهدف.

ليس بمثل ذلك كانت الكاتبة تقول أنها تذوقت “جماعة الأمر”، ثم رفضت أن تقطع الصلة بها، أو تمحوها. فوق ذلك، ولأنها عاشت هذه التجربة على أنها كلها تذوق، أظنها لا زالت تردد إلى اليوم ولو بصوت خافت “من ذاق عرف”!! من ذاق “ماء” التجربة هو فقط من يعرف بأنها دون طعم، وأن ذوقها سراب ووهم، هو من يستطيع فقط أن يفك وينقد ويفيد بمعطيات هذه التجربة (أهدافها، عناصرها، ومحاورها)، هو من يستطيع أن يعبر عن المرارة أو الحلاوة فيها، هو من يستطيع أن يتعرف على طعمها أو خلوها من الطعم، التجربة بالنسبة للآخرين مجهولة حتى في معطياتها، إنهم يختلفون حتى على اسم التجربة، ولكن “من ذاق عرف”.

إذا كان الجزء الأول من التجربة مجهولاً فهل يكون الجزء الثاني من التجربة معلوماً، إنه جزء “عرف”، ذلك الجزء المحير والذي تختفي – بحسب اعتقاد “القصاب”- في حيرته حقيقة الحقيقة. [5]

“عرف” الجزء المحير

هناك ثلاثة تفسيرات لهذا الجزء على تجربة “الفراشة”، أولها أنها عرفت أن كل هذه التجربة هي تذوق، ، فمن ذاق “عرف” أنه يتذوق، ومن عرف أنه يتذوق (بالمفهوم الذي سقناه للتذوق) لا بد أن ينتبه بأنه واهم، وذوقه هذا تجربة وهمها يحيل إلى أنها حلم.

الذي يعرف بأنه يتذوق، ويتحسس الآن فقط طعماً آخر لهذا التذوق، يؤخذ قهراً أو طواعية إلى تذوق آخر، أي إلى تجربة أخرى، واختلاف التجارب اختلاف في أهدافها وعناصرها ومحاورها، وفي خصوص الهدف نجد بأن القصاب قد قالت بأن الهدف قد تغير فعلاً “وقرأت من جديد نفسي، بطعم مختلف، بحقيقة مختلفة”[6]، الهدف يتغير في لحظة ليكون هو النفس لا الجماعة ولا العالم ولا الحقيقة ولا غيرها “بدأت ذاتي تتحرر”[7] إنها الذات إذن، هي الهدف، وهي ما يجب أن يعرف، “فمن عرف نفسه فقد عرف الله”، “كلما داهمنا سؤال لا نملك له إجابة… نردد من ذاق عرف”[8] حين يتيه السؤال يضيع الهدف وتكون التجربة كلها تذوق ويكون التذوق كله تجربة.

أن تكون “القصاب” قد “عرفت” التذوق المعرفتين السابقتين، يحيل إلى أنها لا بد أن تستبدل التذوق (بما هو تجربة) إلى أداة أخرى أعلى من التجارب، يمكن لأي ذات أن ترجع إليها، إنها العودة إلى الأداة المطلقة التي بثت في كل ذات، تمكينها من كل المعارف والتجارب (اللاحقة والسابقة)، وتسليطها على كل وظائف الذات كما يسلط العقل أو القلب أو الفؤاد على كل وظائف البدن، هذه الأداة هي أداة الإنسان الجاهل والعارف، البسيط والمركب، المعتقد والمنفلت، ولكنها ليست أداة تجارب، إنها أداة حياة، أداة فوق العلم وفوق النص، أداة لا تعرف للوهم أو الحقيقة مفهوماً، أداة تعيش في فطرة طبيعية لا فطرة هابيتوس، أداة تضيف الجدل إلى العلم، وتجعله استحالات من المعرفة، أداة إطلاقها أفضل من تغليفها وتحويلها إلى غشاوة لا يجعلها إلا أن تكون شاهداً على تجربة، هي في أحسن حالاتها لا تستطيع حتى أن تحرك التجربة.

سابقاً، كانت “القصاب” في جماعتها تعتقد بأنها على مذهب المزايلة، أما الآن فهي تنفتح على “مجموع حقائق العالم”، هذا الانفتاح أو الاجتماع بهذا الحقائق ليس نقيض المزايلة، إنه ليس مخالطة، إنه مزايلة رديفة من نوع أعلى، فهي مزايلة لكل شيء بلا استثناء. لا زالت “القصاب” على مذهب المزايلة، ولا زالت تردد “من ذاق عرف”[9]، والسؤال هو كيف أثر هذا التذوق في تكوين الطاعة العمياء لدى أفراد الجماعة؟ وكيف استطاعت الجماعة أن تفرض عليهم تغليب الحواس على القلب؟ ومتى استطاعت القصاب أن تتحرر من تطويق هذه الحواس؟

بل ران على قلوبهم: تغليب الحواس على القلب

تعتبر فاطمة الزهراء أول سياسية عارضت النظام الذي تأسس في دولة المسلمين إثر وفاة النبي (ص) في المدينة المنورة، وقد نقل الرواة أنها قالت في خطبتها بـ”معاشر” المهاجرين والأنصار في المسجد (بل ران على قلوبكم ما كنتم تكسبون). يسهل لنا هذا الحديث أن نفهم ماذا يعني الاستشهاد القرآني الذي استخدمته فاطمة في خطبتها بكل الجماعة التي كانت كما يقول الناقل تضج بالبكاء وهي تستمع!

(قلوبهم غلف، ختم على قلوبهم، على قلوبهم أكنة، على أبصارهم غشاوة، أم على قلوب أقفالها، يحول بين المرء وقلبه، زاغت القلوب، زين لهم أعمالهم) كل تلك الألفاظ القرآنية تتوافق تماماً مع المعنى اللغوي لكلمة ران وهو “غلّب وغطى”!

الواقع حين يكون خيالاً

كيف يا ترى يغلّب الإنسان على قلبه بعض الحواس، ولماذا يحس بأنه لا يرى أمراً ما في حين أنه واقع. “كانت تحضر الخيال إلى واقعنا وتغيبنا عن الواقع” هكذا كان فعل الجماعة بأفرادها كما تقول القصاب بعد خروجها، هكذا كانت تفهم “خطاب اللسان الظاهر وخطاب القلب الحقيقي”، هكذا عرفت أن الجماعة لا غيرها “الانحراف على مسيرة الوسيلة” وهي “الجري إلى الوراء”. هكذا مست وكسرت فخارها الذي صاغته الجماعة بإتقان، ولكن يبقى السؤال الذي بدأت وأنهت به القصاب رحلتها مع الجماعة، كيف؟

حاولت القصاب جاهدة وبشكل عملي مبهر أن تستعين بالنظريات التي ظلت مركونة في الرفوف وفي صدور “أولي العلم” عن مثيولوجيا وانثربولوجيا الإنسان والمجتمع، لكي تستطيع أن تثبت بأن كل تجربتها إنسانيات تائهة شقت طريقاً ضيقا تريد أن تبلغ به الحقيقة، هي ذاتها تجارب جماعات ومذاهب وأمم غابرة تتكرر وتتعولم، ولكن كل استشهاداتها تلك كانت بعد خروجها من الجماعة، ابن عربي كان بعد ذلك، أما “سودهارتا” فكان يبعد عن خروجها قليلاً، وكان الواقع السياسي المتمثل بمرحلة “الميثاق” في البحرين قبل خروجها بقليل، وحتى بتجاهل عامل الزمن لم يتضح لنا كيف استطاعت أن تعرف القصاب بأن هناك ما كان يغلف فؤادها ويغلب حواساً أخرى على قلبها ولا يريها إلا جماعتها وحسب.

الطاعة التي لا ترى

“إنها طاعة ممتثلة إلى لغة” تقول باسمة القصاب. “وطوعت له نفسه قتل أخيه” يأتي فعل التطويع المشتق من ذات الطاعة ليكون بمعنى التزيين، وهو فعل ذاتي تماما كفعل “ران” و”غلق” و”غلف” و”أقفل” و”غشى”، فما الذي “تحكيه” الجماعة حتى تطوع بهذه السهولة نفوس أفرادها فتجعلهم لا يرون حتى ذواتهم؟ وهل يمكن أن تكون ذواتهم بريئة وبعيدة من هذه الطاعة براءة الشيطان من بني البشر؟ هل لهذه الجماعة ذات مستقلة ومتسلطة على ذوات أفرادها؟ وكيف استطاع أحدهم أن يتحرر منها (ذاتياً)؟

“خيالاتنا ألفاظ تحتاج إلى نظام للمعاني” هكذا أفهم حديث النفس الذي تقمصته بسهولة بالغة ذات الجماعة ولم تعجز أن تنطق به نيابة عن داخل كل فرد فيها ليعتقد بلا مواربة أن كل ما لديه في نفسه يحتاج إلى شيء من النظم وإن كان ذلك نظام لفظي ورمزي لا نظام معان، نظام أحلام ورؤى لا واقع ولا حقيقة، نظام خيالات يسوق معناه الخاص للهواجس والدواخل واختلاج الأنفس “إن للذنب عند اختلاج السرِّ الدفين صريراً وأنين موتى سترفعها تسبيح الملائكك”. هذه إذن العلاقة الذهنية بين كل ذات وجماعة مبنية على مسبقات وخيالات وكل ما يمكن أن تحدثك نفسك به.

بدا من السهل الآن أن نسأل كيف (استطاعت) القصاب أن تكسر شوكة هذه العلاقة بعد أن أقامتها بحبل متين؟ وربما يكون من السهل أيضاً أن نعرف بأن الذات التي صادقت على الجماعة وطوعت لها أن تنطق بما فيها هي قادرة أيضاً على حل هذا العقد بشيء من الرجوع، وبحسب الجماعة فإن “كل من جرى عنه هو إلى الوراء قد أُخذ”، والتخويف من العودة إلى الوراء هو كاف وحده إلى إثارة الرجوع إلى الذات، لأنها هي الوراء، وهي الأصل، الرجوع إلى الذات الذي جربته القصاب بمقدار ما جربت الجماعة 16 عاماً، جعلها بسهولة أن تنيم السر الدفين وتسكن اختلاجه لبرهة حتى تستطيع أن ترى أنه ما تحول إلى شيء غير خيال في خيال كما كان وكما سيظل، السر هو أن القصاب قد أطاعت نفسها فطوعتها ودخلت في الجماعة، وأطاعت نفسها مرة أخرى فطوعتها لتخرج من الجماعة.

بعـينيها

تظن القصاب أنها هربت بعينيها، ولكنها ترد على الجماعة فتقول أن العالم إنما هو مرآة القلب، إذن فهل هو القلب أم هي العينان ما جعلها تتعرف على نفسها وعالمها من جديد؟ “أوليس القول يخرج عن القلب، أو ليس القلب هو أصل العالم؟” هكذا ترد على لغة الجماعة، إنها لا تخشى بأن تدعي أن قلبها هو قلب العبد الذي وسع الله الذي لم يسعه كل العالم. ليست باسمة تعلو على العالم ولا على الإنسان، ولكنها ربما قد (رأت) بقلبها أنه “هو الجهة التي (ينظر) الله منها للإنسان …من كان قلبه الله، وكان وجهه الله، فكيف يكون العالم قفاه… أليس العالم وجه الله”

 

 نشر في مجلة البحرين الثقافية العدد 41 تحت بند مراجعات الكتب

 

[1]باسمة القصاب، كالتي هربت بعينيها، ص 82

[2]عنوان الكتاب: “كالتي هربت بعينيها: تشكلات الذات المغلفة” وفي المقدمة ذكرت القصاب بأن الكتاب سيرة فكرية ما كان محل نقد

[3]أنظر “كالتي هربت بعينيها” ص  المقولة لـباشلار ،

[4]تقف القصاب موقفا سلبياً من “المنطق” وهي تسلك مذهب ابن عربي في ذلك

[5]الحيرة حقيقة الحقيقة، مقولة لابن عربي،الذي تتأثر به القصاب كثيرا

[6]باسمة القصاب، كالتي هربت بعينيها، ص99

[7]باسمة القصاب، كالتي هربت بعينيها، ص 97

[8]باسمة القصاب، كالتي هربت بعينيها، بتصرف، ص 83

[9]الكلمة كما نقلت في الكتاب هي في الأساس لرابحة الزيرة (إحدى أفراد جماعة الأمر) في حوار لها مع علي الديري، أنظر كتاب “كالتي هربت” ص 81

قيم المنشور!

باسمة القصاب

باسمة القصاب

نصف جناح ونصف جسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×
    تسجيل الدخول / العضوية