» كتب » شريفة التوبي.. بيرق المهمّشين
كتب

شريفة التوبي.. بيرق المهمّشين

23 نوفمبر، 2023 1054

 

 

في كتابة التاريخ القديم، لا يحتفِ المؤرخين بغير سير الملوك والخلفاء والقادة، أما البسطاء من الناس، فلا يُرى في سيرهم ما يستحق أن يكتب ويؤرّخ، فهم ليسوا شأناً، وليسوا شيئاً، بل ينظر إليهم أنهم أدوات مبذولة للحكّام والقادة، منذورة لخدمتها والتضحية من أجلها. لا يعتد التاريخ بحكايات هؤلاء ولا معاناتهم ولا أوجاعهم، فهو لا يرى فيهم سوى أتراس صغيرة في عجلات الصراع من أجل السيادة.

أمّا الأدب فشأن آخر، ينحاز إلى أولئك المهمّشين، الساقطين أبداً من رواية التاريخ، إلى المغيب من حكايتهم والمهمل من تفاصيل معاناتهم.

هذا ما تأخذنا إليه الروائية العمانية شريفة التوبي في ملحمتها الثلاثية (البيرق)، صدر منها الرواية الأولى بعنوان (حارة الوادي) 2022، والثانية بعنوان (سراة الجبل) 2023، وثالثة تأتي.

بنفس جاد باحث، وخيال متمرّس، ولغة سلسة، وحوارات مستلة من لطافة لسان إنسان الوادي، وعنفوان الجبل فيه، تنفذ التوبي إلى حياة الناس إبّان خمسينات القرن الماضي، أوج الحرب المشتعلة بين الإمام الذي يسعى لإقامة دولة إمامة في عمان، والسلطان الذي يريد إخضاع كامل عمان إلى سلطته، حرب استمرت منذ منتصف الخمسينات حتى نهايتها، حُسمت لصالح السلطان، وإرغام الإمام على مغادرة عمان واللجوء إلى السعودية مع بعض قادته.

تأخذنا الرواية الأولى إلى (حارة الوادي)، البيئة الحاضنة لدعوة الإمام حيث الاتباع وعوائل المقاتلين، نلامس طبيعة الناس وبساطة سجيتهم، عقيدتهم واعتقادهم وايمانهم، شجاعتهم واستبسالهم وتضحياتهم، رعبهم وجوعهم وفقرهم ومرضهم، وتنقلنا الرواية الثانية (سراة الجبل) إلى الجبل الأشمّ، البؤرة القتالية الذي يحتمي بها الإمام وقادته ومقاتليه، لنشهد حكايات الموت. نرتطم في هذه الملحمة بقسوة الحرب والموت والحصار والسجن والتهجير والجوع والفقر والحرمان.

تلج بنا التوبي إلى تلك الحقبة المطموسة في التاريخ ومهمّشوها، بتلقائية تجعلنا نشتبك مع حكاية ناصر، البطل ذو المكانة المهابة بين قومه والشجاعة النادرة، نكاد نرى الجنية ميمونة وهي تشعل كل شيء فيه، ثم نفاجأ بقتله بطريقة غامضة، نرافق زوجته عويدة، تلك المرأة القوية التي تكتم حزنها وتراكم فقدها وتثق بما يصلها من إشارات ناصر في الحلم، كذلك ابنه صالح المقاتل العتيد بين جيش الإمام، يكسرنا مشهد سقوط خديجة زوجة صالح ضحية لقصف الجيوش السلطانية. أما العجوز صبيحة المكشوف عنها الحجاب، فسوف نحب الإنصات لحكمتها، كذلك معلّم القرآن خلفان، وطويرة التي جمعت جمال المرأة وجسارة الرجل، تفعل ما لا تفعله غيرها من النساء، وشوّاخ التي نحرت جندياً دفاعاً عن شرفها، وخصيف المهاجر المغبون الذي يأتي يالفرح، والخادم حمود، وحمدان بن سيف، وغيرهم من الشخصيات الكثيرة المثيرة التي تحرّك أحداث الرواية. سنتعثر كثيراً بحكايات الجن الممتزجة بيوميات الناس وسكناتهم، والسحرة الذين هم جزء من طبيعة المكان.

لا نستطيع القبض على أسباب هذه الثورة من خلال الرواية، لكننا نعاين إرهاصاتها على المناطق المتمردة. لا يتمكّن جيش السلطان وحده من إخماد هذه الثورة، ولا يتم الوصول إلى تسوية بين الطرفين، فيستعين بالقوات البريطانية للقضاء على حركة الإمام، القصف المتواصل بأسراب الطائرات الحربية، دكّ البيوت والكهوف في المناطق الخاضعة لسلطة الإمام، تجويع الناس وحصارها، البيوت التي خلت من رجالها بين محارب وقتيل وسجين، الغارات التي لا تتوقف حتى تمكن السلطان من بسط سيطرته على كامل عمان.

تنتصر التوبي في روايتها إلى الناس الذين تجعلهم قلب ملحمتها، ولا يحضر السلطان والإمام إلاّ عبر حكاية هؤلاء الناس لا العكس.

تُحسم الحروب، لكن الحكايات لا تنتهي. كتبت لي شريفة في إهدائها: “الغالية باسمة.. الطريق إلى الجبل لم ينته بعد، الحكاية ما زالت بيد الأبطال السراة”. تعيد الناس ترتيب نفسها في شكل جديد يناسب الزمان والمكان والسياق الذي توجد فيه، ويراكم الإنسان تجاربه ليخرج منها أقوى، فطالما بقي إنساناً فهو لا يكفّ عن صنع حكايته الخاصّة، أو حلمه الخاص، وهذا ما سنرى جزء منه في الفصول الأخيرة من (سراة الجبل)، لنتنبأ بالمزيد الذي تحمله لنا الرواية القادمة..

يؤخذ على هذا العمل ضخامة حجمه، قرابة 400 صفحة الرواية الأولى، 600 صفحة الثانية، أميل إلى التكثيف أكثر، لكنها ملحمة مليئة بالأحداث، عمل مكتمل ليتحوّل إلى مسلسل تلفزيوني يرصد حقبة هامة من تاريخ عمان.

قيم المنشور!

باسمة القصاب

باسمة القصاب

نصف جناح ونصف جسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×
    تسجيل الدخول / العضوية