» كتب » حنين خرائط أحمد رضي.. برق الذاكرة
كتب

حنين خرائط أحمد رضي.. برق الذاكرة

23 نوفمبر، 2023 10121

 

ما أجمل أن يروي شاعر بحريني معاصر، حكاية شاعر بحريني من القرن السادس عشر، أن يغرف من تلك الحقبة الغائمة، وبالتقاطاته الفلسفية التي يبرع فيها، يفتح أحمد رضي أسئلة الحنين على الخرائط، الهجرة، الغربة، الذاكرة، الوطن، الصداقة، والحب. أربع حكايات لأربع شخصيات مختلفة، تشترك جميعها في الحنين وتختلف خرائطها، ترتبط حكاياتهم بطريقة عجائبية غامضة وشيقة، لا تكتمل إحداها دون الأخرى. الشخصية الأولى هي الشاعر البحراني أبو البحر الخطّي الذي ولد في القطيف في القرن السادس عشر، وعاصر مرحلة انتقالية بين أفول الحكم البرتغالي وابتداء الحكم الصفوي، جاء إلى جزيرة البحرين التي كانت تعيش انتعاشاً فكرياً انعكس على النتاج الأدبي والشعري، سكن قرية مقابة، ثم غادر نحو شيراز إبان الحكم الصفوي، ورغم حبّه لشيراز لكن ظلّت أشعاره مكتسية بوهج الحنين الجارف إلى البحرين (إن شيراز وهي المدينة الجميلة، مدينة العلم، لا أستطيع أن أقايضها بقرية صغيرة من البحرين وهي قرية مقابة، ولا أخالني أستطيع أن أتخذها وطناً أخيراً). الثاني هو الأديب الحسن بن محمد الغنوي من قرية سار، صديق الشاعر الخطي، وهو من قام بجمع أشعاره وقدّم لديوانه، وعاش لوعة فراق صديقه بعد رحيله، وقضى بقية حياته في حنين إلى أيامه التي جمعته بصديقه. إنه رجل يعيش على السّوداد كما يصفه رسام الخرائط البرتغالي، فالسّوداد كلمة برتغالية تعني الحنين (حنين شامل وعام مع شعور باللذة والسرور والكآبة والغربة، هو حنين لا يطاق، لا تبتغيه ولا تستطيع الإقلاع عنه ولا تريد الإقلاع عنه، هو حنين لشيء ما أو شخص ما، لكنه في الوقت نفسه يتجاوز ذلك الشخص وذلك الشيء). كان هذا الشعور بالحنين الجارف إلى صديقه الخطي هو ما يشعره باللذة والسرور والكآبة والغربة معاً، يكفي أن يفتح قريحته للحديث عن صديقه الخطّي لتدبّ السعادة في روحه بدلاً من الحزن والكآبة. الثالث هو رسام الخرائط البرتغالي روبيرو فرانسيس دي ميلو، أخذ حرفة رسم الخرائط من والده بعد أن تاه ذات طفولة في مدينة لشبونة، وجد في الإمساك بالخرائط ما يحميه من الضياع. عاصر أفول الحكم البرتغالي، وسافر من أجل أن يرى الخارطة كما هي في الواقع لا كما على الورق أو في الخيال. وظل في حنين إلى مدينته لشبونة وهو يعيش تجواله في البحار مع القائد (روري فيريرا) الذي تشتت أسطوله بعد سقوط مملكة هرمز، قاده القدر إلى جزائر اللؤلؤ هارباً في 1632م، ليلتقي الغنوي وتتوطّد الصداقة بينهما، ويقيم عنده شهراً، ويعيش مع الأخير وقع حنينه إلى صديقه الخطي وسط تجربة غرائبية، يقوم بكتابتها على هيئة مذكرات بعد عودته إلى بلده بعنوان (في جزائر اللؤلؤ). يهدم روبيرو مسلمات الخارطة: “الخارطة من صنع الإرادة قبل أن تكون تمثيلاً للحقيقة، وإرادة الإنسان لا حدّ لها”. يطرح سؤاله على الحنين: “لأي لشبونة أحنّ.. أهي لشبونة الطفولة أم لشبونة الخريطة؟”، الخريطة ثابتة في الذاكرة لكنها متغيرة في الواقع، والحنين يشتعل حيث الخريطة المتوهجة في أذهاننا، “إن نجونا من خرائط الورق فهل نستطيع أن ننجو من الخرائط التي في أذهاننا؟”. الرابع هو شخصية من الحاضر، السيد كاظم السيد محمد آل شرف من جدحفص، هاجر منذ ثمانينات القرن الماضي، ويعيش في إقليم الكيبك في كندا (أشعر بأن الثلج يلف روحي بوحشته الباردة)، شعر بالحنين إلى وطنه أكثر عندما توفى ابنه ودفنه في الصقيع (وجدتني غارقاً في شعور غريب من الحنين إلى قرية جدحفص خاصة، وإلى البحرين عامة)، لكنه يثير إشكالية الخريطة ذاتها (لكن جدحفص التي عرفتها ليس لها وجود الآن إلاّ في مخيلتي). يوصي بدفنه في مسقط رأسه جدحفص. تقع مذكرات رسام الخرائط البرتغالي صدفة في يد السيد كاظم، وهو من سيقوم في 2013 بترجمتها إلـى العربية، ويكون فعل الترجمة هذا بمثابة علاج له عن مرض الزهايمر الذي راح يخرم ذاكرته. حكاية كل واحد من هؤلاء تضيف شيء إلى معنى الحنين، وكأننا أمام خريطة غير مكتملة للحنين، تكملها تجاربنا التي نعيشها، الحنين إلى وطن أو صديق أو حبيب، الاشتياق الشديد للمكان أو الشخص واستحضار الذكريات واللحظات. نحن غالباً لا نرى الشيء عندما نكون فيه، لكن نعرفه بعد أن نغادره أو يغيب عنا، الفقد والبعد يشعلان الحنين، الحنين له لذة ربما تفوق واقعه عندما كنا فيه، يحضر فينا على شكل خريطة من الذكريات التي تجعلنا نحترق بلواعجها.

قيم المنشور!

باسمة القصاب

باسمة القصاب

نصف جناح ونصف جسد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×
    تسجيل الدخول / العضوية